السيد الطباطبائي

412

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

الغير ، إذ لا غير ، فكلّما يجده ويراه ويستقبله فإنّما يجد الحقّ الواحد تبارك وتعالى ، وكذلك في أفعاله ، فهذا الإنسان الكامل يرى الحقّ بالحقّ ، والخلق بالحقّ ، ولا يشغله شيء عن شيء ، ولا شأن عن شأن ، فيظهر فيه صفات الحقّ ، ويصدر منه أفعاله تعالى ، فلا اختيار معه ولا اضطرار ، فهذا إجمال القول فيما يستقبل الكاملين من الأحوال غير أنّ الكامل بالفطرة أوفر نصيبا من مثله المستكمل بالصناعة في الجميع . وليعلم أنّ الصفاء المحض إنّما هو في المرتبة الأخيرة ، وأمّا قبلها فمن الممكن حصول آفة توجب انحراف ، إذ ما دامت النفس باقية فهي ممكنة الطرفين من السعادة والشقاوة لوجود أسبابهما معا ، وأمّا المرتبة الأخيرة فلا سبب عندها ولا كثرة ولا استقلال ، فمن الناس من يقف في بعض الطريق ، ومنهم من يرجع قهقرى ، ومنهم من يمرّ مرّ الشهاب ، والمدار في ذلك على الاعتناء ، لولا الأسباب الخارجة ، فيحصل الوقوف عنده لحصول الاستقلال في المعتنى به ، فيتمّ ظهور آثار ذلك المقام ، وهو ظاهر ، وإنّما مثل ذلك مثل من يرى شيئا من وراء أزجّة كثيرة ، فكلّما أحدق بصره على واحد منها لم يره ما بعده ، وتمّ رؤيته له ، وهذا بخلاف صاحب المرتبة الأخيرة المشاهد للحقّ والخلق بالحقّ ، ولا شرف كبعد الهمّة . هذا ، وفي بقيّة ما لم يذكر من الأخلاق والأحوال والأفعال يشبه حال هذا الإنسان السعيد بالاكتساب حال الإنسان السعيد بالفطرة . ثمّ اعلم أنّ هاهنا مراتب بحسب تجزي الفطرة كما علمته في الاكتساب فيختلف العدد وربّما تركّب في بعض الناس ، فهذه جمل أحوال السعداء الكاملين في سيرهم إلى كمالهم ، وجلّها - سيّما الأواخر - من قبيل تخييل المشعبذ عند بعض الناس ومن الكرامة الموقوفة على أهله عند آخرين ، ولا كلام معهم ، فلنشرع في جمل أحوال أصحاب الشقاوة .